Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
السودان

يوم أعلمني ود اللمين أنني عازف عود ماهر .. بقلم: صلاح حسن أحمد

مدينة نابلس –

سنة 78، قبل زواجي من شريكة حياتي الراحلة ناهد، دعتني مع صديقنا العزيز المشترك هاشم صديق إلى عشاء بمنزل أسرتها في الخرطوم تلاتة. وفي معرض حديثنا عن آخر أشعار هاشم “الكلام جر الكلام” إلى صداقته مع ود اللمين. فقالت ناهد “طيب يا ريت تجيبه معاك للعشا. حبابو”، ووعد هاشم بإيصال الدعوة. وخطر لنا جميعا أن الجلوس مع هذا الرجل الموهوب المبروك، في حال قبوله الحضور، متعة يجب ألا تقتصر علينا نحن الثلاثة فقط وأن يشاركنا فيها العدد الأكبر من الاصحاب “البستاهلو”.
وقد كان. فصارت لدينا أمسية لاتزال محفورة في الذاكرة بعد قرابة نصف قرن من الزمان، أعدّت فيها العشاء سعاد خالة ناهد التي وصلت بفنون المطبخ السوداني مستوى يعلو كثيرا على السائد. وزادت جمالا وطيبا بوجود نخبة من بعض أعز أصدقائنا، وكانت جوهرة تاجها عبقرية ود اللمين بلحمه وشحمه. أي نعيم فوق هذا؟ وهمست في أذن ناهد: “أصلك ما تقولي لي حفلات عرس وهلولة. ياهي دي حفلة عرسك!”
عندما انتصف الحفل، أنزل ود اللمين عوده ينشد بعض الراحة. فأخذته مجموعة صغيرة من الشباب أقارب ناهد إلى غرفة مجاورة. ووجدتني انا منجذبا إلى ذلك العود “السنين” كالعث إلى الضوء. فجلست وأمسكت به،ولأن الكيان بأكمله كان مشربا بموسيقى ود اللمين، جعلت أعزف تأويله الوتري لإحدى مقطوعات برعي دفع الله الموسيقية وفيه تلاعب هارموني عذب بين الأوتار الرفيعة والغليظة. وعندما أفقت فجأة وأدركت أنني أفتي ومالك شخصيا ليس بالمدينة وحسب وإنما على بعد خطوات مني، أعدت العود إلى موضعه بخجل المعتذر. وبعد حين عاد ذلك العبقري فواصلنا معه الطيران في سماواته الموسيقية العليا.
ثم أتتني مفاجأة العمر السارة في ختام تلك الليلة المشهودة. فقد أخبرني الشباب الذين رافقوا ود اللمين في استراحته تلك بأنه سمع عزفا على العود فقطع حديثه إليهم ليسأل عمن يعزف. فرد عليه أحدهم بأنه هو العازف في شريط كاسيت ولا أحد غيره. لا اعلم ما إن كان المجيب يعرف أنني العازف وتعمد الكذب أو انه ظن فعلا أن العزف لود اللمين وانه ينبعث من مسجل الكاسيت. لكن المهم بالنسبة لي هو ان ود اللمين نفسه لم يعترض بالقول إن العزف ليس له، بل واصل حديثه في ما بدأه وكأنه تقبّل أنه العازف في تسجيل له ملأ به الحضور فترة غيابه.
أي مدعاة للفرح كانت هذه؟! وإذا قلت “يا الخرطوم العندي في ترابك جنة رضوان”، خاتي انا؟
وفي الختام اعتذار لود اللمين في عليائه: لو بقي في المآقي دمع لبكيتك به، لكن الحزن العام – الخاص جففه في خضم الكارثة التي حلت بنا من حيث ندري ولا ندري، فاعذرني ايها النبيل الجميل. لك السلام في مثواك الجديد بين أحباب الله، لأن الفرح الذي أشعته في هذه الأمة جمعاء يؤهلك بامتياز لهذا المقام.

wadsakina@gmail.com

المصد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *